النويري

42

نهاية الأرب في فنون الأدب

تهوى على رؤسها ، وكأنّ ناسا ينزلون من السماء معهم مقامع « 1 » فيضربون الناس بها ، وكأنه قد تعلَّق بأحدهم وقال له : ما لكم تفعلون بالخلق هذا ! أما ترحمونهم ؟ فقال : لأنهم كفروا بإلهم . قال : أفما لهم من خلاص ؟ قالوا : نعم ، من أراد الخلاص فليلحق بصاحب السفينة ، فانتبه وهو يخاطبه ، فبقى مرعوبا مما رآه . وكان له امرأة وولدان ذكر وأنثى ومعه تلاميذه ، فأجمع على أن يلحق بنوح عليه السلام ، ثم نام أيضا فرأى كأنه في روضة خضراء ، وكأنّ فيها طيورا بيضاء تفوح منها رائحة طيّبة ، وكأنه تعجّب من حسنها إذ تكلَّم بعض الطيور فقال لأصحابه : سيروا بناننج المؤمنين . قال له فليمون : ومن هؤلاء المؤمنون ؟ قال : أصحاب السفينة . فانتبه مرعوبا وأخبر أهله وتلاميذه بذلك ثم نام . فلمّا كان الغد أتى الملك فقال : إن رأى الملك أن ينفذنى إلى در مسيل لأعرف حال هذا الرجل الذي عمل السفينة فأشاهده وأناظره على ما جاء به من هذا الدّين الذي أظهره وأتبيّن حقيقة أمره فليفعل ؛ فإني أرجو أن يكون ذلك سببا لهلاكه ودفعه عما يدّعيه ، فأعجب الملك ذلك منه وأذن له في الخروج ، فسار بأهله وولده وتلاميذه حتى انتهوا إلى أرض بابل وقصد نوحا وسأله أن يشرح له دينه ففعل ذلك ، فآمن به وجميع من معه ، فقال نوح عليه السلام : من أراد اللَّه عز وجل به الخير لم يصدفه أحد عنه . فلم يزل فليمون مع نوح عليه السلام يخدمه هو وولده وتلاميذه إلى أن ركبوا السفينة . وأمّا فرعان الملك فإنه أقام منهمكا في ضلاله وظلمه ، مقبلا على لهوه ، واستخفّ بالكهنة والهياكل ، وضاقت الدنيا بأهلها ، وكثر الهرج والظلم ، وفسدت الزروع ،

--> « 1 » مقامع : المقامع جمع المقمعة ، وهى خشبة يضرب بها الإنسان على رأسه ليذل ويهان .